
الغرور صفة ذميمة
الحمد له رب العالمين يهدي من يشاء ويضل من يشاء، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق. ونشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا محمدا عبده ورسوله وصفوته من خلقه وحبيبه، بعثه ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فما ترك بابا من أبوب الخير إلا دلنا عليه، وما ترك أمامنا بابا من أبواب الشر أو الضر إلا بينه لنا وحذرنا منه ومن عواقبه، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آل بيته الأطهار وصحابته الأخيار ما تعاقب الليل والنهار، وعلينا معهم بفضلك ومنك وكرمك يا عزيز يا غفار يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. أحبتي في الله أقف معكم وإن شئتم أستعرض وإياكم في هذه الخطبة صفة أخرى من الصفات الذميمة والخسيسة، التي حذرت الشريعة السمحة من الاتصاف بها، والتي لا يحبها الله، ولا يحبها خلق الله، من اتصف بها كان محل غضب الله، وكانت هذه الصفة سببا في شقائه وفي تعاسته في الدنيا، وكانت في الآخرة سببا من أسباب سخط الله وغضبه وأليم عقابه نسأل الله العافية، والدافع إلى تناول مثل هذه المواضيع أي الصفات المذمومة، هو أن هذه الصفات، الصفات القبيحة والغير مرضية والغير محمودة أصبحت كثيرة في حياتنا حتى إن الصفات الحميدة النبيلة الطيبة قلت بل وأخذت تتقلص وأصبحت قليلة، ومعنى ذلك أننا لا نحسن ولا نجيد ولا نعمل بالتأسي بنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبعبارة أوضح أننا أصبحنا لا نتأسى بصفات الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلمنا في وصيته الخالدة
إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم يحثنا على التحلي بالأخلاق الفاضلة الأخلاق العالية، والحق - سبحانه وتعالى - يوجهنا في ذلك فيقول جل شأنه " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " الآية 33 من سورة الأحزاب فبعد أن وقفنا وقفة بسيطة في الحلقة الماضية على صفة من الصفات المذّمومة وهي صفة التعالي والفرح الشديد بما يقوم به البعض من أعمال يرى فيها أنها هي خير مما قد يقوم به غيره، فيأخذه العجب فيفرح الفرح الشديد بما فعل " فلا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم "الآية 188 من سورة آل عمران ها نحن اليوم مع صفة أخرى من الصفات القبيحة، الصفات المذمومة والمكروهة والتي توجب سخط الله وعقابه في الآخرة مع ما يلقى صاحبها، صاحب هذه الصفة من النتائج الحتمية المناسبة لتلك الصفة التي اتصف بها، أي أنه يجد تلك النتائج التي هي جزاء حتمي عن تلك الصفة، يجدها هذه النتائج في الدنيا. أحبتي في الله، إن الأمر يتعلق بصفة ذميمة كثرت في ربوعنا، وهي من الأمراض النفسية التي تستوجب العلاج السريع، وليس لها في الواقع من علاج إلا أن يشعر المتصف بها، فيهرع أي يبادر إلى نزعها ولن يكون ذلك إلا في نطاق كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. لأن الصفة التي تجر إلى صاحبها سخط الله وفقدان احترام الناس له، والتي تكون سببا في مذلته وخزيه عند الله، إذا لم ينزعها هذه الصفة الخبيثة إذا لم ينزعها من اتصف بها، فما هو في واقع الأمر إلا شخص قد تقدم به المرض النفسي واستولى عليه الشيطان فأصبح من جنده ولربما هو نفسه أصبح شيطانا، يستعيذ الناس بالله من رؤيته. هذه الصفة أحبتي في الله هي صفة الغرور، فما هي هذه الصفة ومن هم المتصفون بها، وكيف صورهم لنا القرآن الكريم وكيف صور لنا القرآن الكريم هذه الصفة وكذلك كيف صورتها لنا السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وكيف هو علاجها والخروج والمخرج منها. فمن هم المغرورون أقول وبالله التوفيق وعليه الاتكال ونسأله جل في علاه أن يعيذنا من المرض بداء الغرور، أقول أن الغرور في اللغة هو كل ما غر الإنسان من مال أو جاه أو شهوة، فهذا غره ماله فأصبح مغرورا يرى في أن ما رزقه الله هو راجع بالأساس إلى رأيه الصائب وحسن تدبيره، وبأن ما يقوم به هو من الأعمال التي تدر عليه الربح الوافر لا يمكن أن يقوم به غيره، فهذا غره وسخ دار الدنيا وما علم المسكين أن ذلك ما هو إلا فتنة وامتحان من الله - سبحانه وتعالى - حيث يقول " ونبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " الآية 35 من سورة الأنبياء وآخر غره الجاه والسلطان والنفوذ الذي وصل إليه ولم يصل إليه غيره ويرى أن ذلك تتويجا لرأيه السديد وحسن تدبيره ونسي المسكين أن ذلك فتنة وامتحان..... والغرور جاء بصور مختلفة في القرآن الكريم لتدل على معاني كثيرة ولكنها مترادفة من أهمها الانخداع والتعالي على خلق الله ونكران نعم الله على الإنسان، لأن دوام النعمة هو شكرها والتواضع لله فيها، جاء في الحديث، أن العبادة اتصال بالخالق وإحسان للمخلوق وقد ركزت السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام ركزت على روافد الغرور، التي من بينها الإعجاب بالنفس وهو ظن كاذب في استحقاق منزلة غير مستحقة، وكذلك الكبر الذي ينبني على الإعجاب الخداع ويؤدي إلى الغرور والتعالي وفي الحديث الشريف ((ثلاث مهلكات أي من مسببات الهلاك، شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه)) رواه الطبراني وابن أبي شيبة وقال - عليه الصلاة والسلام - ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) وما ذلك إلا لأن الكبر والعظمة صفة من صفات الله وحده. يقول جل في علاه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قسمته ولا أبالي وقد اهتم علماء الدين بالبحث والتمحيص في مولدات الغرور أي الأمراض التي تفضي بصاحبها إلى أن يصبح مغرورا، فقال في ذلك المفكر مسكويه الغرور هو من أهم أسباب الجهل وخاصة جهل الإنسان لنفسه وجهل الإنسان لعيوبه، ولذلك نجد القولة الشهيرة لثاني الخلفاء الراشدين سيدنا عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - يقول قولة عظيمة، ((بارك الله في من أهدى لنا عيوبنا)) أي بارك الله فيمن بصرنا ودلنا على عيوبنا، فهذه عند عمر ابن الخطاب من أكبر الهدايا التي يمكن أن تقدم إليه. فأين نحن من ذلك. ويقول الإمام أبو الحسن الماوردي - رحمه الله - إن الغرور المبني على التكبر والكبر والإعجاب يضر بصاحبه قبل أن يضر بغيره، وما ذلك إلا لأن غروره يمنعه من الاستفادة من علم غيره، وهو إلى جانب ذلك لا يألفه أحد أي أنه نتيجة لغروره فإن كل الناس تنفر منه لتكبره فهو بالتالي معزول في مجتمعه وممقوت فيه. أما الإمام الأصفهاني - رحمه الله - فإنه يظهر نقص المغرور؛ لأنه يغتر بما لا يملك من علم أو عمل أو مال وما إلى ذلك لأن كل هذا هو عطاء من الله، والعاقل يشكر ولا يغتر والإمام الحارث المحاسبي قد فصَّل القول في الكبر والإعجاب والغرور باعتبارها أمراضاً نفسية لها خطرها على العقيدة وعلى العبادة وعلى ممارسة الحياة بصفة عامة، مبيناً كيف يكون العلاج ووسائله وضوابطه. كل ذلك في كتاب بعنوان مفاهيم إسلامية إن إعجاب المرء بنفسه من أعظم المهلكات وفظائع الأمور؛ لأن العُجب باب إلى الكبر والغرور، ووسيلة إلى الفخر واحتقار الخلق وهذه الصفات هي من أعظم الشرور، فهذه الثلاث: الهوى المتبع والشح المطاع، والإعجاب بالنفس، من جمعها فهو من الهالكين، ومن اتصف بها فقد باء بغضب من الله واستحق العذاب المهين، فطوبى لمن كان هواه تبعاً لمراضاة الله، وطوبى لمن توفق ووُقيَ شح نفسه فكان من المفلحين، أحبتي في الله من ابتلي بالعجب فليفكر في عيوبه، عليه أن يبحث ويفتش عن ما فيه من العيوب من الأخلاق الغير محمودة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أن مصيبته أكبر وأنه أعظم الناس عيوبا وأضعفهم تمييزاً، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل، ولا عيب أشد من هذين؛الصفتين لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض أسال الله العظيم الجليل العافية لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات إنه سميع قريب مجيب الدعوات أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولوالدي ولوالديكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .









